الشيخ محمد هادي معرفة
273
التفسير الأثرى الجامع
وفي الروايات الإسلاميّة هنا - إن صحّت - ما لعلّه يرشدنا إلى جوانب من هذه القصّة العجيبة وربما يرفع بعض الإبهام عنها . وسيوافيك . وإليك شرح الآيات : لقد قال لهم نبيّهم - الذي هو زعيمهم الذي أنقذهم من الذلّ وحرّرهم من أسر العدوّ - : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً . . . . وكان هذا القول بهذه الصيغة يكفي للاستجابة والتنفيذ من غير تلكّع . لكنّهم عن سفاهة وسوء أدب ، واجهوه بالهزء فاتّهموه بأنّه يمزح ويسخر منهم ، وقالوا : أَ تَتَّخِذُنا هُزُواً ؟ . وكان ردّ موسى على هذه السفاهة أن يستعيذ باللّه وأن يردّهم برفق ، وعن طريق التعريض والتلميح ، قال : أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ الأمر الذي لا يليق بساحة الأنبياء ، وإنّما هو من صفاقة الجهلاء ( أمثال من خاطبوه بهذا الكلام الهجين ) . فلو كانوا قد تنبّهوا بهذا التعريض ، لكان عليهم أن يقوموا بتنفيذ الأمر ، ولكنّهم لسوء تدبّرهم وضحالة عقولهم ، زادوا في تهوّسهم وغلوائهم تجاه فهم الحقّ الصريح ! فقالوا - تعنّتا واستنكارا بموقف الرسول - : ادْعُ لَنا رَبَّكَ فكأنّما هو ربّه وحده لا ربّهم كذلك ! وكأنّ المسألة لا تعنيهم هم إنّما تعني موسى وربّه ! ثمّ إنّهم يطلبون منه أن يدعو ربّه ليبيّن لهم : ما هِيَ ؟ والسؤال عن الماهيّة هاهنا - وإن كان المقصود الصفة - إنكار واستهزاء ما هي ؟ إنّها بقرة ، وقد قال لهم ذلك من أوّل الأمر ، بلا تحديد لصفة ولا سمة : بقرة ، وكفى ! هنا كذلك يردّهم موسى إلى جادّة الصواب ، ولا يجيبهم بانحرافهم في صيغة السؤال كي لا يدخل معهم في جدل شكلي إنّما يجيبهم كما ينبغي أن يجيب المعلّم المربّي ، من ابتلاه اللّه بهم من سفهاء منحرفين . يجيبهم عن صفة البقرة : إِنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ . لا هي عجوز ولا هي شابّة ، وسط بين ذا وذلك ثمّ يعقّب هذا البيان المجمل بنصيحة حازمة : فَافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ ولا تتمحّلوا في مراودة الأسئلة وهي تزيد في شدة التكليف بعد إطلاقه ! وهكذا لمح لهم بالأدب الواجب في السؤال وفي التلقّي فيبادروا إلى أيّة بقرة لا عجوز